حكاية صمت الكاتبه نرمين عال همام

لمحة نيوز

حكاية صمت صياغه ادبيه الكاتبه نرمين عال همام

بسم الله الرحمن الرحيم

في صباحٍ بدأ خاطئًا منذ الخطوة الأولى، زار المليونير يوسف الرفاعي قبر زوجته. كان يحمل بين يديه باقة وردٍ أبيض، ويظن أن أقسى ما سيواجهه هو الصمت المعتاد…
لكنه توقّف فجأة.

كان هناك طفل، نائم فوق القبر.

طفل صغير، نحيل، يحتضن صورة كأنها درعه الوحيد في هذا العالم.
اقترب يوسف ببطء، وحين انحنى، تجمّد في مكانه.

إنه آدم.

الطفل الصامت الذي كانت مريم تحاول أن تُحدّثه عنه دائمًا.
الملف غير المكتمل.
الاسم الذي كان يهرب منه يوسف كلما ذُكر.

عند عودتهما إلى قصر يوسف، توقّف آدم عند العتبة، كأن أرض الرخام مقدّسة، وهو غير جدير بها.

قال يوسف بهدوء:
اتفضل… ادخل.

مشى آدم بحذر.
لا ضجيج، لا عبث، لا أثر لطفولة.
أراه يوسف غرفة ضيوف نظيفة إلى حدّ البرودة.

جلس آدم على حافة السرير، لم يستلقِ، وما زال  الصورة، كأنها الشيء الوحيد الذي يخصّه.

في تلك الليلة، لم ينم يوسف.
قرأ ملف دار الأيتام، الطلبات، الملاحظات، والرسائل المكتوبة

بخط مريم.

توقّف عند جملة واحدة… وأحسّها تحترق في صدره:

«يوسف، حاولت أقولك، بس إنت دايمًا بعيد… حتى وإنت في البيت.»

في الصباح، وجد يوسف آدم يحدّق في طبقٍ ممتلئ دون أن يلمسه.

الأكل مش عاجبك؟
سأله.

قال آدم بصوت واطي:
مش عارف… هو مسموح لي آكل؟

تصدّع شيء في صدر يوسف.

مسموح.
قالها بسرعة، ثم أضاف بنبرة أثقل:
إنت هنا دلوقتي.

أومأ آدم.
لم يكن ارتياحًا… بل طاعة.
وكانت تلك الطاعة أشدّ ألمًا على يوسف من أي اتهام صريح.

ثم جاء اتصال المحامي.

فيه عيلة مهتمة بالطفل، يا أستاذ يوسف. عيلة الحداد. ناس محترمين، مستقرين، ومستعدين للتبني فورًا لو حضرتك وافقت.

اشتدّت قبضة يوسف على الهاتف.

هكلمك بعدين.

أغلق الخط.

وعندما رفع نظره، لاحظ أن شيئًا تغيّر في عيني آدم.
قلّ الاستسلام… وكثر الخوف.
كأنه يعرف النهاية مسبقًا.

في تلك الليلة، وجد يوسف آدم جالسًا على أرض الممر.

إنت قاعد على الأرض ليه؟

هزّ آدم كتفيه:
الأرض… أقرب لي.

اختنق حلق يوسف.

ثم سأل آدم، بصوتٍ خافت طعنه

في الصميم:
إنت جبتني هنا ليه… لو هتبعتني بعيد؟

حاول يوسف الرد، لكن الخوف سبقه.
خوفٌ قبيح.

ما ينفعش تناديها ماما.
قالها بانفعال، حين همس آدم بأن مريم أمه.

تجمّد آدم.
ثم قال بهدوء شديد:
حاضر.

لا دموع.
لا احتجاج.
مجرد طفل يتعلّم قواعد الرفض.

بعد دقائق، بحث يوسف عنه…
لكن الأوان كان قد فات.

كان الباب الأمامي مفتوحًا.

كان آدم يمشي على الرصيف، يحمل حقيبة صغيرة، كمن تعلّم أن يرحل قبل أن يُطرد.

آدم!
صرخ يوسف.

استدار آدم.
وجهه هادئ… وألمه قديم.

لو مشيت دلوقتي، هيوجعني أقل… لما تبعتني بجد.

ركض يوسف نحوه، جثا على الرصيف البارد، وأمسك بكتفيه.

بصّ لي…
قال وصوته ينكسر.
أنا مش هسيبك.

همس آدم بالكاد:
إنت سبتني… لما قلت إني ولا حاجة ليك.

استنشق يوسف، كأن النفس يؤلمه.

أنا كنت غلطان.
أنا خفت.
مش عارف أكون أب إزاي…
ثم قالها بثباتٍ مكسور:
بس عارف حاجة واحدة… إني لما أكون أبوك، يبقى أختار ما أسيبكش لوحدك.

ارتجف آدم…
ثم انهار أخيرًا بين ذراعي يوسف.
بكاءٌ

صامت، عاجز،
بكاء طفلٍ كان قويًا أكثر مما ينبغي.

في ذلك الصباح، ناما على الأريكة، متعانقين.
لا إتقان.
لا كمال.
لكن بصدق.

وعندما استيقظ آدم، حدّق في يوسف كأن العالم قد ينتزعه.

إنت لسه هنا؟

أومأ يوسف.

وهتروح فين؟

وللمرة الأولى…
بدا على آدم أنه يكاد يصدق.

لاحقًا، وجد يوسف وحدة تخزين بين أغراض مريم…

ملفًا واحدًا فقط…
فيديو.

ظهر وجه مريم.
ضوء دافئ يحيط بها، شعرها منسدل، حيّ على نحوٍ آلم صدر يوسف كأنها لم ترحل قط.

قالت بهدوءٍ يشبه الوداع:
يوسف… لو بتشوف الفيديو ده، يبقى قابلت آدم.

توقفت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.

لو سمحت اسمعني.
حاولت أقولك، بس إنت كنت دايمًا بعيد… حتى من هنا.

ولمست صدرها.

آدم مالوش حد.
وإنت جواك حب… بس ما اتعلمتش تستخدمه.
هو محتاج مكان… وأنا واثقة إنك تقدر تكون المكان ده.
حتى لو احتاجت وقت.

انتهى الفيديو.

بقي يوسف ساكنًا طويلًا.
لا دموع.
لا حركة.
كأن الزمن توقّف احترامًا لما قيل.

ثم نهض ببطء، واتجه إلى غرفة المعيشة.

كان آدم هناك، يرسم بأقلام ملوّنة جديدة.
رفع الورقة نحوه.

ثلاثة أشخاص.
مريم.
طفل صغير.
ورجل طويل بذراعين مفتوحتين.

دي هي…
قال آدم، وأشار.
وده أنا…

ثم تردّد.
عضّ شفته.

قال يوسف بصوت منخفض:
ممكن تقولها.

نظر آدم إليه، كمن يختبر الأرض قبل أن يخطو عليها.

ده… إنت.

تم نسخ الرابط