حكاية صمت الكاتبه نرمين عال همام
لم يقل أبي.
ليس بعد.
لكنها كانت كافية.
لم تكن كلمة كبيرة، ولا اعترافًا صريحًا، ولا وعدًا معلنًا.
لم يطلب آدم شيئًا.
كل ما فعله… أنه قال: إنه أنت.
وفي تلك اللحظة، شعر يوسف أن ثِقلًا ظلّ جاثمًا على صدره سنواتٍ طويلة قد تحرّك أخيرًا.
لم يختفِ…
بل أخذ شكله الحقيقي.
في الأسبوع نفسه، اتصل يوسف بالمحامي.
لم يرفع صوته، ولم يتكلّف الحزم.
قالها كما يقول الإنسان أمرًا بديهيًا تأخر كثيرًا:
— لا.
— نقل آدم مش هيحصل.
— هيفضل معايا.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر من الخط.
صمتٌ اعتاده يوسف في عالم الصفقات الكبرى،
لكنه هذه المرة لم يكن تفاوضًا،
ولا حسابات ربح وخسارة.
كان صمتًا يحاول فهم قرار…
لا يُقاس بالأرقام.
— حضرتك متأكد؟
— أيوه.
وأغلق الخط
قبل أن يمنح القرار فرصةً للتراجع.
لم يكن الطريق بعدها سهلًا،
ولا سريعًا،
ولا نظيفًا كما اعتاد يوسف أن تكون حياته.
ملفات تُفتح،
وأخرى تُراجع،
أسئلة تُطرح،
وتواريخ تُنبش من جديد.
وقّع.
شرح.
أثبت…
للمرة الأولى في حياته،
أن قلبه قادر على الالتزام،
لا فقط على السيطرة.
كان آدم يراقب كل ذلك من بعيد.
لم يسأل.
لم يُبدِ حماسًا.
لم يفرح علنًا.
كان يجلس في الزاوية نفسها من غرفة المعيشة،
يمسك بدفتر رسمه،
وينظر إلى وجه يوسف بين الحين والآخر،
كمن يتوقع أن يختفي كل شيء فجأة…
كما اختفى من قبل.
في الليالي الأولى،
لم يكن ينام إلا بعد أن يتأكد أن باب غرفته غير مغلق بإحكام.
كان يتركه مواربًا…
مسافة تكفي لمرور الضوء،
أو للهروب.
وكان يوسف يلاحظ.
في البداية، لم يقل شيئًا.
ثم، في ليلة هادئة،
مرّ أمام الغرفة،
توقّف،
عاد خطوتين إلى الخلف،
طرق الباب طرقًا خفيفًا،
ثم دفعه قليلًا.
— ممكن تسيبه مفتوح لو حابب.
قالها بهدوء.
رفع آدم عينيه ببطء،
كأنه لم يتوقع أن يُسمح له بذلك.
— بجد؟
— بجد.
تلك الليلة،
نام آدم للمرة الأولى
دون أن يحتضن الصورة بقوة.
وضعها إلى جواره فقط.
وبدأت التفاصيل الصغيرة تتغيّر…
في الصمت،
في الخطوات،
وفي المسافة القصيرة بين بابٍ مفتوح…
وقلبٍ لم يعد وحيدًا.
صارت الصباحات مختلفة.
جلس آدم إلى الطاولة بدل أن يقف على الهامش.
لم يعد ينتظر الإذن ليشرب الماء،
وصار يسأل بصوتٍ خافت إن كان يستطيع الخروج إلى الحديقة.
وفي كل مرة كان يسمع فيها كلمة نعم،
يهزّ رأسه قليلًا،
كمن لا يزال يتدرّب على تصديقها.
أمّا يوسف،
فاكتشف أمرًا لم يكن مستعدًا له:
أن الأبوة لا تأتي على هيئة شعورٍ جارف كما في الأفلام،
بل على شكل خوفٍ يوميٍّ عميق.
خوفٍ من الخطأ،
من القسوة غير المقصودة،
من الصمت في اللحظة الخطأ.
كان يقف أحيانًا خلف باب غرفة آدم،
يستمع إلى أنفاسه المنتظمة،
ويتساءل في داخله:
هل أفعل الصواب؟
هل أنا الرجل الذي كانت مريم تؤمن به؟
وفي إحدى الأمسيات،
وجد آدم جالسًا على أرض الممر،
يرسم بالقلم الرصاص خطوطًا غير متناسقة.
— بتعمل إيه؟
سأل يوسف.
تردّد الصبي، ثم قال:
— برسم بيت… بس مش عارف أخليه ثابت.
جلس يوسف إلى جواره على الأرض نفسها،
دون أن يهتم ببدلته أو ببرودة الرخام.
— البيوت مش بتبقى ثابتة من أول مرة،
قال بهدوء.
— بنفضل نرسمها تاني وتالت… لحد ما نلاقي الشكل اللي ما يقعش.
نظر آدم إليه طويلًا،
ثم أضاف نافذةً جديدة إلى الرسم.
مرّت الأسابيع،
ثم الشهور.
اعتاد البيت على صوت خطواتٍ صغيرة،
وعلى فوضى خفيفة،
وعلى كتب تُترك مفتوحة،
وأحذية لا تُصفّ دائمًا في مكانها الصحيح.
وتعلّم يوسف، ببطءٍ شديد،
أن الكمال ليس شرطًا للحب.
في يومٍ ما،
عاد إلى البيت متعبًا مثقل الرأس.
وجد آدم جالسًا على الأريكة،
يقرأ بصوتٍ منخفض.
توقّف يوسف عند الباب يستمع.
كان الصبي يقرأ رسالة قديمة
بخطّ مريم.
لم يقاطعه.
وحين انتهى،
رفع آدم عينيه وقال:
— هي كانت بتحبك.
لم يُجب يوسف فورًا.
جلس، وأغمض عينيه لحظة،
ثم قال:
— وأنا ما كنتش عارف أكون موجود.
هزّ آدم رأسه:
— أنا كمان بتعلّم.
في يوم توقيع الوثيقة الأخيرة،
كان الجو غائمًا.
جلس يوسف إلى الطاولة،
ووقّع اسمه بهدوءٍ لم يعرفه من قبل.
لم يشعر بالانتصار،
ولا بالراحة الكاملة،
بل بثِقلٍ صادق…
ثِقل المسؤولية التي لا يمكن التخلّي عنها.
حين خرجا،
وقف آدم إلى جواره،
نظر إلى المبنى،
ثم إلى يده.
لم يمسكها.
لكنه اقترب خطوة.
وفي الطريق إلى السيارة، قال يوسف:
— إنت جاهز؟
لم يكن السؤال عن الأوراق،
ولا عن المستقبل البعيد.
نظر آدم إلى البيت،
إلى السماء،
ثم قال:
— مش عارف… بس أنا مش عايز أمشي.
ابتسم يوسف ابتسامة صغيرة،
غير متقنة.
— ولا أنا.
في تلك الليلة،
علّق آدم رسمه الجديد على الحائط.
بيتٌ بنوافذ كثيرة،
وبابٍ
قال:
— البيت ده ما بيتقفلش.
نظر يوسف إلى الرسم طويلًا،
ثم قال:
— وهيفضل كده.
وأحيانًا،
هكذا تبدأ الحياة من جديد:
لا بضجيج،
ولا بإعلانات،
ولا بوعودٍ مثالية،
بل بخطوةٍ واحدة لا تتراجع،
وبقلبٍ يتعلّم متأخرًا
أن الحب لا يثبت بالقوة،
بل بالبقاء.
تمت
صياغه ادبيه نرمين عادل همام